سبعة أعوام من المعاناة
بقلم: عمران مصباح
بعد عدة أعوام من دخول البلد في صراع مستدام، وصفت التقارير الدولية ما يجري في اليمن، بأنها أسوء أزمة إنسانية في العالم، هذه المعاناة، شملت كل أطياف الشعب، ولو بنسب متفاوتة، لكن، ثمة فئة، كانت الأكثر تأثُرًا هم الشباب، والذين نالوا القسط الأكبر من التعب، باعتبارهم النسبة الأكبر، إضافة إلى أنهم خاضوا الحرب في أهم مراحلهم العمرية، الفترة التي يتم فيها بناء الفرد لذاته، والسعي نحو النجاح، إلا أن هذا الصراع عمل على الحد من أحلامهم، لتقتصر نحو النجاة، بدلًا من التحليق عاليًا، بينما اكتفى الكثير بالحفاظ على تماسكهم النفسي في وضع يدفع الفرد إلى عكس ذلك.
وحتى الآن، لا حصر لأعداد القتلى، والجرحى الذين سقطوا خلال هذه الحرب، وهناك أرقام تقديرية تقول أنهم وصلوا لمئات الآلاف، وكان معظمهم من الشباب، لكن، بعيدًا عن هؤلاء الضحايا المعروفين، ثمة ضحايا مختلفين أثرت فيهم الحرب بشكل أو بآخر، ولا زالوا في صراع دائم للتمسك بطموحاتهم، أمام الحرب التي حاولت سلب أحلامهم، تتحدث أبرار الفهيدي عن الصدمة الأولى لانطلاق الحرب، وهي طالبة في كلية الإعلام جامعة صنعاء، قائلة: "في البداية، كان تأثير الحرب على حياتي كبيرًا جدًا، ودخلت في صدمة لم أُفق منها إلا بعد فترة" وتضيف: "الحرب التي وجدت نفسي ضحية لها فجأة، كانت نقيضة لشغفي وطموحي اللا محدود".
حدث ذلك مع أبرار، وهي في مرحلة فارقة من عمرها، سن المراهقة، حيث يتحدد مسار كل إنسان خلال تلك الفترة، وتتحدث عن تجربتها في التجاوز قائلة: "رغم تدهور صحتي في تلك الفترة، إلا أنني لم أستسلم، وقاومت بكل ما استطعت، وكان علي الاهتمام بدراستي الثانوية، كي أحصل على معدل أستطيع من خلاله تحقيق حلم دخولي لكلية الإعلام" وتضيف أن الخروج من مرحلة الصدمة كان صعبًا نوعًا ما، قائلة: "لقد فقدنا منزلنا، وأشخاص كانوا لنا كل شيء، وبلحظة تلاشوا، لكن، وبمساعدة عائلتي، التي بقيت دومًا معي، استطعت التجاوز، والآن أنا على وشك إكمال البكالوريوس، وليس من السهل أبدًا، فعل ذلك في ظل ظروف الحرب التي تحاول قتل أرواحنا"، وتختتم أبرار حديثها: "رغم الخدوش، إلا أن الشباب هم ممحاة الألم لأنفسهم، وللوطن ككل".
جنت الحرب على كافة المجالات، كرة القدم، والمواهب الشبابية فيها، كانوا من أكثر المتأثرين، حيث توقفت الدوريات المحلية، مما صعب مهمة المشاركات الخارجية، والتي تجري دون جاهزية، أو استعدادات كافية، رامي الوسماني، كابتن المنتخب اليمني، فئة الشباب، يقول:" لا يخفى على أحد أن سبعة أعوام من الحرب تركت أثرها على كافة نواحي الحياة بشكل عام، ونحن الشباب بشكل خاص، أثرت علينا سلبًا، وكشاب رياضي في مجال كرة القدم؛ لقد حرمتني الحرب من طموحات، وتطلعات كنت في صدد تحقيقها".
وفي مقارنة بينما كان عليه الحال أثناء انطلاق الحرب، وبين الحاضر التي وصلنا إليه، يتحدث الوسماني قائلًا: "كان الشباب في أوج تألقهم سواء في أنديتهم، أو المنتخبات الوطنية، لكن الحرب أوقفت الدوري العام، مما صعب الاستمرار في ممارسة كرة القدم، واختزال الاستعداد للمشاركات الخارجية في تجمعات قبل البطولة بشهر، أو شهرين فقط"، ويضيف: "ذلك أثر حتى على طريقة اختيار لاعبي المنتخب، لتنعكس إلى نتائج سيئة، وهذا جعل من طموحات الشباب الذين كانوا ينتظرون مستقبل مشرق تتحطم"
في ظرف كهذا الذي يمر فيه اليمن، يجعل الاعتماد على الموهبة للوصول إلى النجاح محل شك، يقول الوسماني أن ذلك دفع الكثير من اللاعبين للانخراط في أعمال أخرى تضمن لهم الحد الأدنى من الحياة، رغم أن ذلك أيضًا أصبح صعبًا في الوضع الحالي، والجدير بالذكر أن كابتن منتخب الشباب، هو أيضًا غادر للاغتراب في أوروبا للبحث عن فرصة أفضل هناك، ويقول رامي عن ذلك: "حاليًا، أنا في أوروبا، باحثًا عن فرصة أفضل هنا، أمارس نشاطي الكروي باستمرار، وأسعى لأن أكون على أتم الاستعداد لتلبية نداء الوطن، وتمثيل منتخب بلادي في أي لحظة".
كما وحصلت الصحافة على النصيب الأكبر من التأثُر بالحرب الدائرة، يعود ذلك لطبيعة عمل الصحافة، وأهميتها، ولأن صوت الصحفي يصنع رأي عام، لم تتركه أطراف الصراع، وطالتهم الكثير من الانتهاكات، اعتقل وقتل بعضهم، كما أن عددًا كبير منهم غادر البلاد قسرًا، عصام القدسي، صحفي يمني، تعرض للاعتقال من قبل جماعة أنصار الله الحوثية لأكثر من مئة وخمسين يوم، يقول: "نحن العاملين في مهنة الصحافة، دفعنا تكلفة مضاعفة، ولا زلنا ندفعها" ويضيف عن وضع الصحفيين خلال الحرب، قائلًا: "في اليمن لا توجد مساحة حرية، هذا دفع الكثير من الحالمين بالصحافة نحو الانخراط مع طرفٍ ما لتحقيق أحلامهم، فتحولوا إلى أبواق، فيما آخرين، بحثوا عن مهن أخرى، لإنقاذ أرواحهم من الجوع، والتشرد، ولم يتبقى سوى القليل الذين لم ينحازوا لأي طرف".
وعن تجربته القاسية يقول: "لقد ذهبت أيام عمري في عذاب، ليس في السجن فقط، بل خلال هذه الحرب، سبعة أعوام من المعاناة، فقدت شخصيًا فرص كثيرة، والجميع كذلك، الحرب قيدت الأحلام، والطموحات الكبيرة التي كنا نحملها؛ لقد أفقدتنا الأمل".
البعض يقول أنه، ورغم الحرب، هناك بعض الشباب نجحوا في مشاريع صغيرة، وغيرها، إلا أن هذا استثناء يؤكد القاعدة التي تقول أن معظم الشباب أثرت عليهم الحرب وبشكل كبير جدًا، ولو لا اشتعال هذا الصراع الذي أعاق الجميع، وأضاع عدة أعوام من عمر كل فرد، لوجدنا عددًا كبير جدًا من الشباب الناجحين، كلًا في المجال الذي يريده.
الشباب وسؤال المشاركة في صنع السلام
الشباب والحرب
أهمية مشاركة الشباب والمرأة في صناعة القرار السياسي ومفاوضات السلام
واقع المشاركة السياسية للشباب