الشباب وسؤال المشاركة في صنع السلام
بقلم: عمار السوائي
على الرغم من كون الشباب يمثلون العمود الفقري للنشاط العسكري في اليمن منذ بداية النزاع المسلح، ويمثلون أساس عملية التغيير التي استمدت طاقتها أساسًا من حركة الاحتجاجات الشبابية على نظام علي عبد الله صالح في العام 2011، وبالرغم من حضورهم ضمن المكونات الأساسية للحوار الوطني وقد تركوا بصمتهم واضحة في أهم المخرجات التوافقية حينها، ومنها على سبيل المثال تمثيل الشباب بنسبة لا تقل عن 20% في هيئات الأحزاب والمنظمات، وتمثيلهم بنفس النسبة في سلطات الدولة الثلاث، إلا أن النخب السياسية التي تفصل مقاسات التمثيل السياسي وتحدد أوزان اللاعبين السياسيين وهوياتهم لا تجد الفعل الشبابي مؤثرًا أو لافتًا للانتباه ويمكن تحويله لاستحقاق سياسي تنبني عليه عملية تمثيل في مواقع صنع القرار أو حتى على طاولة المفاوضات، فمن استعراض قوائم الوفود التفاوضية الممثلة لأطراف النزاع المسلح في اليمن تغيب تمامًا المشاركة الشبابية والنسائية بصورة كاملة، على الرغم من امتلاء الشوارع والبيوت ونوافذ المركبات بصور قتلى الحرب من الشباب.
إذن طالما لا ترى النخب السياسية في تضحيات الشباب أكثر من براويز للذكرى ونشر مشاعر السخط العام من خلال الترويج لأساطير الشهادة والفداء مصحوبة بكم هائل من القتلى الشباب ضحايا المعارك المندلعة على أكثر من 30 جبهة عسكرية على التراب اليمني، هي النخب الشائخة ذاتها إذًا تعيد إنتاج الهزيمة والفشل منذ عقود من الزمن في بلد توقفت ساعته على لحظة اندلاع المعركة قبل ما يزيد على نصف عقد من الزمان، وهي النخب ذاتها التي ترى أن التفاوض بعقليتها أو لنقل وفق منظورها للحياة والأحداث والقضايا يمثل ضمانًا لاستمرار سطوتها ومد ظلالها على مجتمع يقع ما يزيد عن 60% من أفراده في نطاق الشريحة العمرية الشابة.
من زاوية أخرى تمثل مخرجات الحوار الوطني خصوصًا ما يتعلق منها بتمثيل الشباب وإدماجهم في عملية صنع القرار، ونعني هنا قرار التنمية والسلام، مرجعيات توافقية هامة، وتم التنظير لها باعتبارها الأساس القانوني الذي تستند عليه شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي، وأحد أهم المضامين التي يفصح عنها الخطاب السياسي لهذه الجبهة، وأعني جبهة شرعية الرئيس هادي، فيما يتصل بالحرب القائمة أن السبب الأساسي لها هو الانقلاب على المرجعيات التوافقية، في حين يكشف السلوك السياسي للشرعية عن انقلاب حقيقي على أهم المرجعيات التوافقية وأعني بها وثيقة مخرجات الحوار الوطني والموجهات الدستورية التي شددت في مواضع مختلفة منها على عملية إشراك الشباب وإدماجهم في أي تمثيل سياسي، أو تشكيل حكومي، أو وفود تفاوضية، غاب الشباب وحده عن طاولة الحلول وحضروا وحدهم أيضًا في المتارس والمعارك والمقابر.
ما هي الأهمية التي تكتسبها المشاركة السياسية للشباب اليوم؟
هذا أحد أهم الاستفهامات المطروحة اليوم، لكن إجاباته أكثر أهمية ويمكن طرح بعض الإجابات كأسئلة موازية، ألا يحق لمن تتخذ النخب السياسية قرارات موتهم أن يتخذوا قرارات حياتهم، ويجلسون على طاولة واحدة باعتبارهم أصحاب مصلحة حقيقية في مستقبل هذا البلد؟ فهم على الأقل سيعيشون المستقبل وبالتأكيد يعول عليهم أن يكونوا أدوات البناء والإعمار والحياة، ولا يملك الكهول الطموح والتعلق بالغد الذي يمتلكه الشباب، وبينما يرى الشباب في المستقبل أحلامهم وطموحاتهم وما يأملون ويسعون لتحقيقه لا يرى الكهول في المستقبل غير قبورهم تنتصب شواهدها، وهذه الاختلاف في المنظور هو اختلاف زمني لكنه ليس مجردًا كذلك من اختلافات المنظور الثقافي أيضًا بين الأجيال الشابة والأجيال الشائخة، بين المتطلعين للمستقبل وبين العالقين في الماضي، بين روح التجديد والإبداع والابتكار وبين العقليات المحافظة المتزمتة، وفي حين مزقت النخب السياسية نسيج هذا المجتمع وقطعت أوصاله، يمكن للشباب أن يعيدوا اللحمة ويرمموا الجراح ويحلوا العقدة التي استعصت على الحل طيلة سنوات طِوال من عمر جريمة الحرب، وأنا على ثقة بأن مفاوضات السلام التي يقودها الشباب ستكون وحدها الفرص المستغلة التي تعيد فتح بوابة الأمل والحياة لهذا الشعب مجددًا.
لو كان لي أن أوجه رسالة واحدة لنخبنا السياسية، لوددت أن أوجه لهم دعوة لزيارة التاريخ، خصوصًا تاريخ الأمم والشعوب التي واجهت الموت والحرب والتشرذم، ستجدون أن عجلة الحرب لم يتمكن من إيقاف دواليبها سوى الشباب، وكم يخجلني أن أجد جيلي والجيل الذي يليهْ وربما الجيل الذي يليه أيضًا ينزلق في المقابر قاطعًا صلته بالحياة، بينما في مقدوره لو وجد فرصته وزمانه أن يعيد تعريف الموت الشائع حولنا ليجعل منه فرصة جديدة للحياة، وأمامنا عشرات التجارب التي حدثت في خضم الحرب والتي شارك فيها الشباب باقتدار لمد جسور الأمل وبعث النبض في أوصال البلد من خلال مشاركات فاعلة في العمل الإنساني وفي أنشطة مفاوضات محلية حول إعادة الخدمات العامة أو فتح الطرقات التي أغلقتها الحرب أو إطلاق الأسرى والبحث عن المفقودين... إلخ، فقط نحتاج أن يحمل الشباب إيمانًا بقدرته على المشاركة وأحقيته فيها.
الشباب وسؤال المشاركة في صنع السلام
الشباب والحرب
أهمية مشاركة الشباب والمرأة في صناعة القرار السياسي ومفاوضات السلام
واقع المشاركة السياسية للشباب