العمل بصورة تكاملية من أجل مجتمع آمنٍ وخالٍ من ممارسات العنف بكل صوره وأشكاله، مناهض للإقصاء والاستبعاد والتمييز الموجه ضد أفراد أو جماعات أو القائم على أساس ديني أو عرقي أو إثني أو لغوي أو سياسي أو على أي أساس كان، هي مسؤولية الدولة بصورة أساسية، وليس بمقدور الدولة كسلطة تحتكر القوة باعتبارها مؤسسة العنف أن تتجاهل هذا الدور، في حالات السلم أو الحرب، فحماية المجتمع أفراداً وجماعات من أطوار العنف وأشكاله ومسبباته وأدواته ومولداته هي امتياز أصيل للدولة ومؤسساتها التي تنظم مسارات التعايش المجتمعي، وهذا الامتياز يجعلها تنفرد بالمسؤولية أيضاً، وهي مسؤولية لا يمكن تقويضها، أو تفويضها، أو تخويلها للغير، أو تسليمها بالإنابة، تحت أي ظرف من الظروف، وتأتي واجبات الدولة في حماية المجتمع أفراداً وجماعات من سلوكياتها أولاً في مقدمة الالتزامات، إذ ينبغي أن تكون سلوكيات الدولة تجاه المجتمع منظمة قانونياً، وأن يكون القانون نفسه مراعياً لحقوق الإنسان لا يتضمن ما يخالف التزامات الدولة تجاه مواطنيها أو تجاه المجتمع الدولي في مسائل حقوق الإنسان.
وفي إطار النزاعات المسلحة يتوجب على الدولة حماية جميع أفراد المجتمع من العنف والتمييز والإقصاء والممارسات غير القانونية التي تمثل انتهاكاً لحريات أفراد المجتمع، وعليها أيضاً حماية الشباب خصوصاً لما يمثلونه من أهمية كبيرة لدى أطراف النزاع خلال عمليات التعبئة والحشد للقتال، ولهذا يحظر الضم القسري للشباب في نشاط الجماعات المسلحة، ولا ننسى أيضاً أهمية الشباب لدى الجماعات المتطرفة، فهم بالنسبة لهذه الجهات هدف هام، وفي الوقت نفسه فإن الشباب في مقدمة صفوف الضحايا لعمليات العنف والتطرف، ولهذا فإن الحماية وحدها كإجراء غير كافية، من المهم أن تتزامن أنشطة الحماية مع إجراءات الوقاية، وهو ما نعني به بناء وتشييد البيئة الصالحة للعمل على قضايا السلام والأمن أمام الشباب، وهي غالباً عملية تمكينية تفسح المجال أمام الشباب للانخراط في مسارات السلام المختلفة، وأنشطة الوقاية ذات أهمية لما لها من أثر ملحوظ في حماية حقوق الشباب وضمان مشاركتهم بصورة فاعلة، وتمثل في الوقت ذاته حاجز منيع ضد الممارسات العنيفة والمتطرفة، ومن الصعب تخيل أنشطة حماية ناجحة يجب توفيرها للشباب بعيداً عن البيئة التمكينية التي تقيهم من العنف وممارساته ومن الانخراط مع الجماعات المشتغلة عليه، ولهذا فالمسؤوليات تترتب على السلطات الرسمية وعلى منظمات المجتمع المدني الدولية والمحلية العاملة في مجال الشباب وبناء السلام وحل النزاعات، في أن تدعم وجود بيئة تمكينية تفسح المجال أمام الشباب للعمل والمشاركة.
إن العمل بمشاركة جميع فئات وقوى المجتمع على منع تجنيد الشباب وضمهم إلى صفوف الجماعات المسلحة هو خط الدفاع الأول عن مصالحهم الحقيقية، وإشراكهم في الحوارات المجتمعية ذات الصلة بعد بناء قدراتهم على التواصل الفعال وإدارة الحوارات المجتمعية والمناصرة وكسب التأييد والنهج التعاوني لحل المشكلات الاجتماعية، لما تكتسبه هذه القضية من أهمية، ولأن العمل بهذا الاتجاه يؤدي إلى التخفيف من مشاعر التهميش والظلم الاجتماعي خصوصاً مع اتساع نطاق المشاركة ونجاعة مخرجاتها، والقدرات التي يكتسبها الشباب في هذه المجالات تساعدهم على مواجهة الانتهاكات والمظالم المختلفة بصورة سلمية بناءة بعيداً عن العنف والسلوك العدواني.
ويمكن لأنشطة الوقاية أن تستهدف الشباب المنخرطين في الجماعات المسلحة لمساعدتهم على فك ارتباطهم بها والعودة للحياة المدنية، بوسائل مختلفة تشمل الوصول إليهم عبر قرنائهم من الشباب، أو بإتاحة المجال لهم للتعبير عن طموحاتهم وأحلامهم وتطلعاتهم وهو الأمر الذي يشجعهم على مغادرة مواقعهم العسكرية ووظائفهم القتالية من خلال فحصها من منظور الموت بما يعنيه كنقيض للحياة والأمل والحلم، ويمكن شمول العائدين من صفوف الجماعات المسلحة من خلال إدماجهم في برامج إعادة تأهيل وتمكين تعليمي واقتصادي واجتماعي لمساعدتهم على العودة لحياتهم الطبيعية والاندماج في محيطهم الأسري والاجتماعي بصورة طبيعية، وهذا ما سيجعلهم قادرين على تجنب خيار الانضمام للجماعات المسلحة للحصول على الموارد أو على التقدير أو لإثبات الذات مثلاً.
ومن ناحية أخرى فإن على الدول مسؤولية تطوير سياسات واستراتيجيات ناجحة لمنع انخراط الشباب في التطرف العنيف، على أن يكون الشباب أنفسهم من بين المنخرطين في إعداد ورسم وتصميم هذه السياسات والاستراتيجيات ولهم دور أيضاً في مراقبة وتقييم عملية تنفيذها والالتزام بها، ومن الأجدى أن تكون هذه العملية مستندة على أساس بحثي ومنهجي تشاركي بين المؤسسات العامة ومنظمات المجتمع المدني والمراكز البحثية والجامعات لدراسة مصادر ومولدات العنف في المجتمع المؤثرة على الشباب والجاذبة لهم.
ومن أهم ما يمكن عمله من أجل وقاية الشباب من العنف والتطرف، هو إعادة إنتاج سرديات بديلة حول السلام والمستقبل الإيجابي وفرص الحياة لمواجهة السرديات التقليدية الرامية إلى بث مشاعر اليأس والإحباط وقتامة المستقبل وانعدام الثقة بالواقع والمحيط الاجتماعي، لما تمثله المشاعر السلبية من دافع أساسي للانخراط مع الجماعات المشتغلة في أنشطة التطرف والعنف، وإشراك الشباب في النقاشات التي تدور حول مستقبل البلاد وفرص السلام والمصالحات المحلية والوطنية وتلك التي تدور حول الإصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية وكل الفعاليات ذات الصلة تٌعد من الإجراءات الناجحة التي لها آثار عميقة على الشباب وعلى ضمان فاعليتهم ووقايتهم من العنف والانخراط فيه والتعرض له أيضاً، باختصار إن توجيه نظر واهتمام الشباب نحو المستقبل يجعلهم أقدر على مغادرة خنادق الاحتراب والصراعات والعنف، ويمكنهم من البحث عن ذواتهم وعن زمانهم في قادم الأيام بدلاً من السعي لإعادة إنتاج الماضي أو الانشغال بخدمة تياراته وقواه.